Partager cet article :
Facebook
Twitter
Google+
http://cinemattack.info/?p=1198&lang=ar

أنور كونغو – رجل عصابة تسيطر على دور السينما في أحد أحياء أندونيسيا، حلم كثيرا أن يصبح مثل نجوم هوليود ولم تسنح له الفرصة للتمثيل ولعب أدوار في غاية الأهميّة فصنع  فرصته بنفسه و خاض أفلامه على أرض الواقع.

“واحد إثنان ثلاثة .. سيداتي فكّرن بإيجابية ! كنّا في نفس المكتب و أشبعناه ضربًا !

فعلت هذا لأشخاص كثيرين جوش .. حسنًا سألّف هذا السلك حول رقبتك

على سبيل المثال، إن قتلت والدي سأكون مستاءً منك

هكذا تداخلت الجمل التي نطقت بها أفواه أبطال فيلم “عمليّة القتل”، الفيلم الوثائقي الحائز على عدّة جوائز أوسكار. والذي يروي حكاية إبادة جماعية ممنهجة في أندونيسيا ذهب ضحيتها أكثر من مليون شخص خلال سنة واحدة وأغلبهم من الشيوعيين


على مدى السنوات التي تلت ديسمبر 2004، ارتبط إسم “سومطرا” في ذاكرة الإنسانية بالزلزال المحيطي أو التسونامي التي ضربت المحيط الهندي آنذاك، وصنّفت كعاشر أفظع كارثة طبيعية في تاريخ البشرية أودت بحياة أكثر 227 ألف شخص. لكن القليلين اليوم يعلمون أن نفس الموقع شهد أحد أكبر الكوارث البشرية في تاريخ العالم من صنع الإنسان قبل عقود وذلك على يد مجموعات الموت الإندونيسية ضدّ كلّ من اشتبه في انتمائه للفكر الشيوعي في البلاد. وقد بلغ عدد من تمّت تصفيته في الفترة ما بين 1965 و 1966 أكثر من مليون شخص

الوثائقي “عملية القتل” (The Act of killing) يروي

قصة تحالف الجنرال سوهارتو منتصف الستينات مع عدد من زعماء العصابات لإدارة الدولة وقتل الخصوم السياسيين ونهب ثروات البلاد. منتج الفيلم التقى بعض زعماء هذه العصابات بعد أربعين سنة من تنفيذهم لأفظع جرائمهم، وعرض عليهم أن يصوروا بعضا منها ووسائل تعذيبهم بنفس الأشكال التي اعتمدوها من قبل. أحدهم إسمه أنور كونغو كان زعيم عصابة صغيرة في أحد الأحياء الفقيرة، وكانت مهمته تنفيذ بعض أعمال القتل والتعذيب بالوكالة مقابل منحه سيطرة كاملة على عائدات دور السينما في المدينة، وكانت العائدات في تلك السنوات ضخمة لرواج عروض أفلام سينمائية عن الكاوبوي الأمريكي والمافيا الإيطالية في أمريكا وحياة البذخ لبعض الفنانين. من الأشياء الصادمة في الوثائقي أن أنور وعصابته كانوا ينفذّون أعمال القتل والتعذيب من خلال اقتباسها من هذه الأفلام، كانوا يلبسون ملابس الكاوبوي ويستعملون الخيل لجر الخصوم، يتخيلون أنفسهم ممثلين في فيلم سينمائي.. يتحدث هؤلاء المجرمون في الوثائقي عن كونهم كانوا يشعرون بلذة بالغة في القتل والتعذيب، ويتعاملون معه على أنه مجرد لعبة.. ولم يشعروا في أي لحظة بتأنيب الضمير.. وإلى اليوم لم يحاسب منهم أحد

.

بعض الشهادات في الوثائقي: “كنت أقاوم تأنيب الضمير عما أقوم به من أعمال تعذيب وقتل، من خلال الرقص وسماع الموسيقى الصاخبة وشرب الخمر والمخدرات.. حتى أشعر بالسعادة الوقتية بما أقوم به” أنور كونغو- أحد زعماء ميليشيات الأحياء المرتبطة بسوهارتو في أندونيسيا خلال فترة الستينات.

“كنت أعاني من كثرة الكوابيس في النوم.. ووالدتي كانت تظن أنها بسبب إرهاق العمل.. أما أنا فأدرك جيدا أنها بسبب أعمال القتل والتعذيب التي كنت أرتكبها ولم تكن والدتي على علم بها”

أما إبراهيم نينيك وهو مدير جريدة أندونسية مقرّبة من نظام سوهارتو العسكري و مرتبطة به حيث كانت بوق الدعاية الخاصة به فكان له دور آخر لا يقلّ أهميّة عن دور أعضاء المليشيات “كنا نتنقّل في الأحياء الأندونيسية التي تحصل فيها مجازر قتل وتعذيب المدنيين وإحراق المنازل، ونطلب شهادات الأهالي ونصوّرهم.. ثم نحرّف كل ما قالوه في شهاداتهم ونضع صورهم لنظهرهم بمظهر المجرمين”

ليضيف “كنّا، أنا والصحفيين الذين يعملون معي في الجريدة، نوهم أهالي ضحايا القتل والتعذيب بأننا نأخذ شهاداتهم لمساعدتهم على التظلم وإظهار الحقيقة.. ثم نسلّم شهاداتهم المصوّرة للجيش وقوات المخابرات لتقوم بعدها بجلبهم وتعذيبهم وقتلهم ثم إلقاء جثثهم في النهر”

هنا تتجلّى جرأة عجيبة أن يقوم زعيم ميلشيا مسلحة أندونيسية مرتبطة بسوهارتو في الستينات بمساعدة مخرج بريطاني على إنجاز فيلم وثائقي بعد 40 سنة، يعيد فيه مشاهد القتل والتعذيب التي كان يمارسها وبنفس الملابس التي كان يلبسها في الستينات. كلّ ذلك يجعلني أتساءل: هل يمكن لأحد المخرجين التونسيين أن يقوم بعمل وثائقي شبيه، مع بعض من مارسوا التعذيب والقتل في منظومتي بورقيبة وبن علي؟

“أنا زعيم عصابة مسلحة عملت لفائدة سوهارتو.. وهذا الوضع منحني الشعور بأنني رجل حرّ أفعل ما أريد، وأتحكّم في مصائر مئات من الناس رغم أنني لم أدرس وليست لدي شهادات علمية… كثيرون في هذا العالم يحلمون بالحصول على سلطة ونفوذ مثلي”  أنور كونغو-أحد زعماء الميلشيات المرتبطة بسوهارتو.

“لماذا يحب الناس رؤية أفلام العنف والقتل والتعذيب والسادية؟ أنا مارست العنف ،القتل ،التعذيب والسادية أفضل مما يظهر في هذه الأفلام.. وكل ما ترونه تمثيلا في السينما أنا مارسته في الحقيقة” يتسائل أنور في الفيلم ليضيف “رغم كل ما ارتكبته في حياتي من قتل وتعذيب وساديّة، لا أشعر بالحاجة للاعتذار لأي كان.. إن كان هناك من يقدم الاعتذار للناس فهو الحكومة.. أما أنا فحين أقتل أكون قد ساعدته على التخلص من الشر والآلام ومعاناة الحياة”.

لم يتوقف كونغو عند هذا التصريح بل يتعدّاه ليصف ما كان يفعله رفقة رجاله “كنا نتفنن في تعذيب وقتل المئات بكل الأشكال السادية.. ولم يحاسبنا أحد على ذلك منذ الستينات ولحدّ اليوم.. وهذا يعني أن المجتمع يقبل هذا”.

الفيلم عمل فنّي من إخراج جوشوا لينكولن أوبنهايمر، أمريكي من أصول يهودية بريطانية، ولد في ولاية تكساس. غادر أوبنهايمر الجنوب الأمريكي في إتجاه شرق البلاد لتحصيل بكالوريوس في جامعة هارفرد. ثم شد الرحال لبريطانيا لإنجاز بحث الدكتوراه في لندن، قبل أن يستقر نهائيا في كوبنهاغن، العاصمة الدنمركية

حصل أوبنهايمر على عدة تتويجات أهمها جائزة لجنة التحكيم بمهرجان البندقية السينمائي. في حوار صحفي سنة 2015 لجريدة النيويورك تايمز، طالب أوبنهايمر “الغرب” بضرورة تحمّل مسؤولية جرائم التصفية التي حصلت في أندونيسيا، وبالأخصّ بلده الولايات المتحدة الأمريكية التي وفرت نظام تواصل لاسلكي خاص للجيش الأندونيسي تمكنت من خلاله عناصره من تنسيق عملياتها. كما ذكر أن أحد العناصر الدبلوماسية بالسفارة الأمريكية في جاكرتا كان يجمع أسماء المئات من الأندونيسيين المعارضين للنظام ويقدمها للحكومة

بعد عرض فيلم “عملية القتل” أمام عدد من أعضاء الكونغرس في 2014، دعى أوبنهايمر الولايات المتحدة للإعتراف بضلوعها في هاته الجرائم. في أكتوبر 2017 قامت الحكومة الأمريكية برفع السرية عن آلاف الوثائق المرتبطة بتلك الفترة، مرفقة بآراء وتعليقات مصادر أمنية وسياسية عن وقع هذا الفيلم على هذه المسألة

.