“من منا لا يعرف فدريكو فلليني؟”، قد يبدو سؤال الممثل روبرتو بنيني أعمق من مجرد حديث بين معجبين شغوفين في حانة أو مقهى، أو بين ممثل قدير وصحفي فذ.. لنتأمل جيدا في كثافة التساؤل إن جغرافيا أو سكانيا أو عالميا. إن لم تعرف فدريكو فلليني فأنت في ورطة مع الممثل الإيطالي الأبرز روبرتو بنيني.

بعد هذه القفلة الموحية بقوة رموز الحكاية، يوجد تأمّل آخر ينتظر أي قارئ موجود في تلك المساحة التي فتحها بنيني بسؤاله أعلاه. فقد يمتلأ فعل التأمل ذاك بالواقع ـ الحقيقي ـ فيستحيل ذهنه إلى ما يشبه آلة حاسبة لحصر هذا الواقع والتعاطي معه، وقد يمتلأ بصور مبتكرة ومتعالية ونابضة بالغموض والحركة غير الخاضعة للحصر فيكون ذهن المتأمل كما لو خضع لتنويم من الخيال على نحو ما.. إنه استدراج من الأسفل نحو الأعلى، من قاع الواقع إلى سحر الخيال. تلك هي سينما فدريكو فلليني، المخرج الذي ولد شيخا وعاش طفلا.

في عبارات جميلة كتبها الناقد السينمائي الإيطالي جيوفاني جرازيني أثناء تحريره لحوار مطول أجراه مع فلليني، يوجد “الطفل الصغير موجود دائما في ثنايا وتفاصيل هذا الرجل العجوز، إنه شغوف بالرسم قبل الإخراج وبالخربشة قبل الكتابة. قال لي “في صغري كنت أقضي الساعات منشغلا بأقلام الرصاص والشمع والطباشير. أرسم على كل الأسطح البيضاء التي تكون في متناول يدي: الورق، الجدران، المناديل، شراشف الموائد في المطاعم.. حتى رخصة السياقة تجدها مليئة بخربشات صغيرة”.

بمناسبة ذكر طفولة فدريكو، فإن الرجل ولد في مدينة ريميني في الساحل الشرقي لشبه الجزيرة الإيطالية سنة 1920، وقد كان صحبة كاتب السيناريو الإيطالي إينيو فلايانو يمضيان أغلب وقت الفراغ في متابعة عروض السرك والمسرحيات والعروض الموسيقية في ريميني أيام الطفولة، حتى إذا ما كبر فلليني في سن المراهقة كان يغازل الفتيات في شوارع المدينة “منغمسا في تفاصيل الحياة اليومية بفضول ولهفة مستشرفا في الوقت نفسه الحياة بجدية ومسؤولية” حسب تعليق الناقد جرازيني في مقدمة حواره مع فلليني الذي حمل عنوان “فلليني من خلال فلليني Fellini par Fellini”.

بدأ المخرج الإيطالي حياته الفنية كصحفي ورسام كاريكاتير، ثم حظي بأول مصافحة له مع عالم السينما حينما دعي سنة 1945 إلى المشاركة في كتابة سيناريو فيلم “روما، المدينة المفتوحة Roma la citta aperta” الذي أخرجه روبيرتو روسيليني. أمضى بعدها ستة أعوام يجول في عالم الإخراج والفن والسينما، حتى تمكن سنة 1951 من إخراج أولى أفلامه الخاصة وهو “أضواء من التنوع Luci del varietà”، ثم تتابعت الأعمال الإخراجية لفدريكو فلليني مع إخراج “الشيخ الأبيض Lo sceicco bianco” عام 1951 و” إي فيتاللوني I Vitelloni” عام 1953. الشيخ الأبيض كانت قصته كوميدية حول علاقة امرأة مع صورة مرسومة لبطل مسلسل تلفزيوني، وفلم إي فيتاللوني هو كوميديا درامية عن مجموعة من الشبان وحياتهم الفارغة.

المنعطف الذي عاشه فلليني، وأصبح العلامة الفارقة في حياته الفنية، هو فلم “La Dolce Vita” الذي استهل به فدريكو أفلامه المندرجة ضمن تيار “الواقعية الجديدة neorealismo” الذي تشبع به من خلال عمله مع روسيليني في فترة الأربعينات، أي فترة الحرب العالمية وما بعدها. وصل الأمر بفلليني إلى ما يشبه صناعته لمدرسة خاصة به “الفللينية” من خلال فلم La Dolce Vita ومن الصعب أن يوجد إيطالي واحد أو أي دارس للسينما في العالم لا يعرف هذا الفلم بالذات. طبعا تحصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان سنة 1960 )سنة صدور الفلم( وأوسكار أفضل تصميم من قبل Academy of Motion Picture Arts and Sciences بالولايات المتحدة الأميركية سنة 1962. ولن ينسى المتفرج ـ مهما كان ـ أن فلليني افتعل قبلة وسط تلك النافورة الساحرة التي تتوسط العاصمة روما “fontana di trevi”.

قد لا تكفي مساحة مقالة واحدة أو حتى كتاب واحد لاستيعاب فدريكو فلليني، فالرجل أكبر من أن تحتويه الكتابة فقط. لكن يمكن ذكر بعض الخصال التي ترتبط بهذا المخرج، مثلا يقول عن نفسه في حواره مع جيوفاني جرازيني أنه “قادر على ربط الأصوات بالألوان” ويضيف “كنت أسمع خوار الثور في مخزن جدتي، وكنت أربط ذلك الصوت ببساط كبير بني ضارب إلى الحمرة يطفو فوقي في الهواء. وعندما يقرع الجرس ثلاث مرات كنت أرى ثلاثة أقراص فضية تفصل نفسها عن الجرس وتدنو مني، فيما أهدابي ترتعش، لتختفي داخل رأسي”. ويعلق جرازيني على هذا قائلا “ربما يلخص فلليني موهبته في الإخراج ضمن هذا الكلام عن نفسه… عندما يربط الصوت باللون والحركة”.

فدريكو فلليني شخص خجول من العالم، لذلك هو لا يطيع الحقيقة بإطلاقيتها، بل يضيف إليها أو يمزجها ببعد آخر فيه الخيال. هذه سمة إيطالية على نحو ما أنتروبولوجي، فالإيطاليون معروفون بالمزج إن في المعمار أو في الرسم أو في الموسيقى أو حتى في الطعام.. هم يضيفون الحب في الطعام كما يضيف فلليني لمسته في الأفلام التي يخرجها. دليل خجله من العالم أنه لا يحب الحديث في السياسة ويصرح بذلك في العديد من الحوارات التي جمعته بعشرات الصحفيين من جرائد مختلفة، إيطالية وفرنسية وانجليزية وأميركية.

يقول في إحدى المرات في حوار له في صحيفة Le Monde الفرنسية سنة 1980 وقد حاورته إيلياتا تورنابوني حمل عنوان “فلليني يتحدث عن النساء Fellini parle des femmes” “لست فردا سياسيا، ولم أكن كذلك. السياسة والرياضة تسببان لي حالة من الفتور واللامبالاة، وتنعدم مشاركتي في أي حديث يتناول مثل هذه الموضوعات )…( في الواقع أنا لا أتباهى بهذه اللامبالاة المزمنة تجاه السياسة، بل إن ذلك يسبب لي الضيق والانزعاج باستمرار. الأصدقاء، المجتمع الراهن، الفقر الأخلاقي.. كل ذلك قد يحرضني على تبني موقف أيديولوجي معين أنا غير راغب فيه، لست راغبا في إحداث أي تغيير وأنا قاصر من الداخل.. أنا أخجل من العالم أحيانا”.

توفي فدريكو فلليني فجأة بأزمة قلبية في مدينة روما سنة 1993، وهنا نعلن في هذه المقالة انتهاءها بالاقتصار على هذا الحيز البسيط جدا من جوانب فلليني الفنية والشخصية. لقد كانت وفاته مفاجئة للناس لكنها مسايرة للذات التي ملكها فدريكو في شريط حياته التي بدأها بالمعكوس، انطلق فيها شيخا هرما يرسم ويفكر في كل شيء ساخرا من عالمه )أليست السخرية حالة ناضجة من الفهم العميق للأشياء؟(، لينتهي منها طفلا مليئا بالحياة والتمرد والحركة والشغف والحب. لقد كان يخاف أن يفتح غرفته فيشتم رائحة الشيخوخة على غفلة منه، فلم يحتمل ـ بقلبه الطفولي ـ ذلك التوجس فاستسلم لنوم طويل.

سيف الدين العامري

صحافي وباحث في أنثروبولوجيا السياسة بالجامعة الإيطالية. متخصص في الأزمات الإنسانية بحوض البحر الأبيض المتوسط. عمل في القسم الفكري لصحيفة العرب اللندنية ومراسلاً لعدد من وسائل الإعلام من بينها موقع Orientxxi فرنسي/عربي، وصحيفة الأخبار اللبنانية. مهتم بالقضايا الفكرية العربية والإنسانية، خاصة قضايا الحداثة وما بعدها، وأسئلة الجماليات والسيمياء والفنون والثقافة في الأزمنة الراهنة. يميل إلى المقالة ـ الحكاية أكثر من مقالات الإخبار الكلاسيكية.

Partager cet article :
Facebook
Twitter
Google+
http://cinemattack.info/?p=731&lang=ar