Lire en français · Read in English · Leer en español

و أنا أكتب هذا المقال لا يزال فيلم دشرة يعرض في عدد كبير من قاعات السينما في الجمهورية و لا يزال يحظى بنصيب جيد من نسب المشاهدة و يحقق إيرادات محترمة جدا و لا يزال أيضا يحظى بإهتمام أغلب الفنانين في تونس و يخضع لتقييمات مختلفة من المبدعين. الفيلم هو عبارة عن بداية تونسية في إنتاج أفلام الرعب التي تعتبر من اصعب الأفلام كتابة و إنتاجا .يحكي الفيلم قصة طالبة جامعية في اختصاص الصحافة تدعى ياسمين، تعمل، رفقة صديقيْها بلال وعزيز على حلّ لغز جريمة غامضة تعود إلى أكثر من 25 سنة، وتتعلق بامرأة وجدت مشوهة وملقاة وسط الطريق، فينتهي بهم المطاف بعد التحقيق إلى قرية صغيرة (دشرة) معزولة وسط الغابة. تشعر ياسمين ومرافقيْها بأنهم محاصرون في الغابة وينتابهم الرعب، فيحاولون الهروب من المكان . نجح كاتب السيناريو و المخرج عبد الحميد بوشناق في صناعة بداية شيقة للفيلم حبك أحداثة بدقة و حافظ على تسلسل درامي حملنا من بداية تحقيق يقوم به صحفيين إلى نهاية مأسوية لهذه التجربة الصحفية.

مشكلة الفيلم لاتكمن في أنه تناول موضوعا يعيش و يتعايش مع الشعب التونسي منذ سنوات طويلة ويتمثل في المعتقدات السخيفة و التي قد تصل في بعض الاحيان إلى إرتكاب جرائم قتل و تشويه بل أزمة الفيلم الحقيقية أنه تناول هذا الموضوع الذي يشكل خصوصية من خصوصيات المجتمع التونسي و تجربة عايئها التونسيون في العقود الماضية بكثير من الاثارة و المبالغة رغم أنه نجح كثيرا في إشعار المشاهدين بالخوف ورفع نسبة الادرينالين لديهم. التمشي العام للقصة كان جيدا و نجح كاتب السيناريو في صنع حبل الاحداث التي تبعه الجميع للوصول للنهاية لكن و مع تقدم الازمة تظهر لنا تطلعات أخرى للعصابة عوض عن خطف الاطفال من اجل إكتشاف الكنوز (تجربة عشاها التونسيون قبل سنوات و يقال أنها خلفت عن من القتلى) وهي أكل لحم الاشخاص أ الذين يتم إختطافهم أو ما يعرف بالكانيباليزم وهنا لاحظنا تردد السيناريو في تحديد هدف العصابة و تركنا جميع في ازمة لكن جمال الصورة و تواتر الاحداث ببسرعة انقذ الجميع من الضياع.

تعتبر الشخصية الرئيسية أحد نقاط إرتكاز الفيلم، ما يثير الاعجاب أن إختيار الشخصية الرئيسية لم يخضع إلى مقاييس جمالية أو معايير سنوات التجربة. ياسمين تلك الفتاة التي تعاني إضطرابا نفسيا يعود لعدة اسباب دفعنا إلى طرح أسئلة كثيرة في البداية و حملنا شغفنا في إيجاد أجوبة لهذه الاسئلة إلى الدخول أكثر في تفاصيل الفيلم و الانسجام التام مع أحداثه، ياسمين أيضا طالبة تونسية عادية تستطيع أن تلتقيها في الشارع أو في محطة المترو أو مطعم أو مقهى، شخصية عادية بدائرة علاقات محدود و لكنها متماسكة تبدأ بجدها و الذي تختصر فيه جميع عائلتها و صديقيها عزيز و بلال، هي مثال شديد الواقعية للطالبة التونسية التي تعيش مع جدها في احد المنازل بالعاصمة. لكن في االمقابل لم تستطع الشخصية الرئيسية الوصول إلى درجة الخوف المتوقعة و لم تستطع أن ترفعنا معها إلى درجة أعلى من درجات الذعر.

وعلى حد قول آرنهايم (في الفيلم الجيد، يجب على كل لقطة أن تساهم في الفعل) أوجد السيناريو بعض المشاهد التي لم نجد تفسير مثل عملية إنتحار “منجية” الشخصية التي تدور حولها أحداث الفيلم و إستغراب عزيز لوجود مقطع مصور في الكاميرا قبل أن يتضح أنه فرد من العصابة و كأن بكاتب السيناريو يناور ليبعدنا عن السيناريوهات التي توقعناها من أجل مفاجئتنا في أخر الفيلم بنفس السيناريوهات التي توقعناها . لئن نجح كاتب السيناريو في تسريب بعض المواقف المضحكة “فعلا” في الفيلم من خلال العلاقة المثيرة للجدل بين الصديقين إلا أنه من جانب أخر قد تسبب في كل مرة يمر فيها موقف مضحك في إخراجنا من الانسجام التام مع طبيعية الفيلم وهو فيلم رعب و التوقعات السيئة التي تبنيها مخيلتنا و بعثر شعور الخوف الذي نجح في بنائه داخلنا ليعيد البناء مرة أخرى قبل أن يأتي موقف مضحك أخر ليدمر كل شيء، مع الاخذ بعين الاعتبار أن التصوير و اللون العام للفيلم كانا في مستوى محترف جدا و كان لهما دور أساسي في نجاح الفيلم.

أعتقد أن الفيلم في إذاره العام هو محاولة جيدة جدا لانتاج فيلم رعب تونسي و الذي يعتبر من أصعب الافلام إنتاجا و كتابة ، كما نجح الفيلم بدون إعتبار المبالغة التي سقط فيها في التطرق إلى قضية تنتمي إلى مجلد الاساطير و الخرافات التي تنتمي إلى ثقافة التونسيين و وجب مقاومتها.
.

Abdslem Herchi عبد السلام هرشي

صحفي و كاتب تونسي

Partager cet article :
Facebook
Twitter
Google+
http://cinemattack.info/?p=900&lang=ar