“التّضحية” هو آخر أفلام المخرج السّوفياتي أندريه تاركوفسكي. خرج إلى الجمهور سنة 1986 قبل وفاته ببضعة أشهر. يعتبره البعض أكثر أعماله جمالا.

ويعتبره آخرون عملا مضطربا عكس إلى حدّ بعيد هشاشة المخرج في تلك الفترة من حياته وهو يصارع مرض السرطان في غربته. انغمار بيرغمان المخرج السويدي المعروف عبّر عن نوع من الخيبة تجاه “التضحية”. “هذه المرّة فشل تاركوفسكي في تجاوز تاركوفسكي “. قد يظن البعض أنها حرب بين المخرجين. لكن المهتمين بسينما المؤلف والسينما الشعريّة أساسا، يعرفون جيّدا مدى إعجاب بيرغمان بأعمال تاركوفسكي. صوّر فيلم “التّضحية” في جزيرة غوتلاند التي تعوّد المخرج السويدي تصوير أفلامه فيها.

كان هذا بناء على دعوة شخصيّة من بيرغمان الذي مكّن تاركوفسكي من التواصل مع مجموعة من الممثلين والتقنيين الذين عرفوا بعملهم الدّائم معه ومن أبرزهم مدير التصوير سفين نيكفيست والممثل أرلوند جوزفسون. بيرغمان كان المساند الرّسمي “للتّضحية” رغم نقده له. كان هذا اعترافا رسميا منه بدخول تاركوفسكي نادي عظماء السينما. لا أحد يمكنه اليوم أن ينفي أن هذا الفيلم كان ومازال من دُرَر السينما الشّعريّة. تضمّن مجموعة من المشاهد والحوارات والمونولوجات التي بقيت محفورة على مدى عقود في مخيّلة عشّاق السينما العالميّة.

إن أبرز ما يميزه على الصعيد الجمالي كان رقّة الصّورة وحساسيتها التي عكست تعاملا متقنا مع الضوء ومجهودا استثنائيا في معاينة مواقع التصوير. “فالتضحية” أثر مرجعي على الصعيد البصري. لكن الأداء المُمَسرح للمثلين وطول المشاهد، خصوصا منها مشاهد الحوارات والمونولوجات الفلسفيّة، أثقل إلى حد بعيد نسق الفيلم وجعله عصيا على المتفرّج العادي. وكأن السويد فرضت على تاركوفسكي نسقها الكئيب. في نفس الوقت يعكس هذا الثقل قدرة هائلة للمخرج على التحكم في المشاهد وأداء الممثلين. الفيلم ورغم نسقه البطيء لم يسقط في الرّتابة. كان هناك دائما ما يشد الانتباه رغم الاعتماد، المفرط نوعا ما، على تقنية اللقطة الواحدة أو اللّقطة المشهد (Plan-séquence) التي صور بها تركوفسكي، عمليا، كل الفيلم. هذا ما أنتج مجموعة من المشاهد الطويلة التي يصعب إعادة تمثيلها وتركيبها. المشهد الأول دام تسع دقائق.

المشهد ما قبل الأخير (وهو الأكثر شهرة) مشهد إحتراق المنزل، دام ستة دقائق. وقد تم إعادته عدّة مرّات جراء الإشكاليات التقنية، مما استوجب إعادة بناء المنزل وإحراقه، وهي من أطول المشاهد في تاريخ السينما العالمية. وقد تضمّن الفيلم بأكمله مائة وثمان وأربعين دقيقة وزعت على مائة وخمسة عشر مشهدا فقط، تضمّن كل منها عدّة دقائق.

يسرد الفيلم قصّة ألكسندر. ممثل ومسرحي متقاعد اعتزل التمثيل لأنه صار يكره الانحلال الصّادق داخل شخصيّات لا تعكس ذاته. أمر مرهق أن تجسّد غيرك. ألكسندر شخص لا يريد أن يكون إلا نفسه. انعزل في جزيرة “غوتلاند” وتفرّغ للكتابة والنقد وإعطاء المحاضرات حول الجماليات في الجامعة. نحن الآن أمام المشهد الأول: مدخل الفيلم. يقف ألكسندر رفقة ابنه الذي فقد القدرة على الكلام جراء خضوعه لعملية على الحنجرة. يحاولان غراسة شجرة. يحكي ألكسندر لابنه قصّة قس زرع شجرة مماثلة في أعلى جبل وطلب من خليفته الشّاب أن يسقيها كل يوم. لم يعرف الشاب لماذا، لكنه مع ذلك طبق الوصية بدافع الواجب.

في يوم من الأيام وعند صعوده ليسقي الشجرة كما كان يفعل كل صباح وجدها قد أزهرت. عندها فهم ما أراد القس الأب أن يعلّمه إيّاه. يتساءل هنا ألكسندر عن قدرة النظام أو المنظومة (le système) على إحداث التغيير في داخلنا وفي محيطنا ما إن تتحول الأفعال إلى طقوس مقدّسة. لم يتلقّى ألكسندر تعليقا من ابنه الأخرس، فداعبه قائلا: “في البداية كانت الكلمة وأنت الآن أخرسلا تتكلم”.

ينهي ألكسندر وابنه غراسة الشجرة. ينطلقان في طريق العودة. يلتقيان صدفة بساعي البريد أوتو. أوتو أستاذ تاريخ متقاعد ويعمل ساعيا للبريد في وقت فراغه من أجل توفير مدخول إضافي يمكنه من السفر لأنه مهووس بجمع الحكايات. الحكايات الغريبة التي عاش روّاتها أحداثا سحريّة تتجاوز ما هو طبيعي ومنطقي. ينطلق بين أوتو وألكسندر حوار شيق حول الله والإيمان وفكرة العود الأبدي لدى نيتشه.

يفترقان بعد أن يتفقا على اللقاء مرة أخرى، مساء، على العشاء، من أجل الاحتفال بعيد ميلاد ألكسندر. في الطريق أيضا، يلتقي ألكسندر بزوجته أديليد وصديقه الطبيب فيكتور. أديليد ورغم قبولها القدوم معه من لندن لتسكن الجزيرة شبه المهجورة لم تكن راضية على هذا التغيير. لطالما كانت فخورة بأنها زوجة ممثل مشهور. مع ذلك فضّلت التّضحية. لكنّها تضحية عرجاء. تضحية متذمّرة لا تتصف بحب صادق للآخر. فيكتور من ناحيته رفض التّضحية. قرر التخلّي عن العائلة والأصدقاء والهجرة إلى أستراليا من أجل افتتاح مصحة خاصة. كلى الشخصيتين ترمزان إلى الإنسان المعاصر. الإنسان المادي السّاعي دوما وأبدا وراء الرّبح والفخر الاجتماعي. اختزال.

سطحيّة مفرطة في التعامل مع الذّات البشريّة. يرحب ألكسندر بهما ثم يطلب من فيكترو أن يصحب أديليد بالسيارة إلى البيت فيما يواصل هو مع الصبي مشيهما. عندها ينطلق ألكسندر في حوار آخر مع ابنه. هو في الحقيقة حوار مع ذاته أو ربما هو حوار مع الوجه البريء للحياة الذي يجسّده الصبي. براءة عميقة وخرساء. كما الطّفل هي لحظات السّكوت. ليست في حاجة إلى الكثير من الكلام لتعبر عن نفسها. ترتطم بك فجأة فتشعر بحضورها. ينطلق ألكسندر في التذمّر. يكشف حقيقة الحضارة والحداثة والتطور التكنلوجي الذي يقتل الإنسانيّ في البشريّ. ثم فجأة يعاتب نفسه.

ما الذي يميّزه عن الآخرين؟ هو مثلهم لا يتقن سوى الكلام. الحداثة قتلت المعنى العميق للكلمات لأنها جرّدتها من التصاقها بالفعل. في السّابق كانت الكلمة والفعل كيانا واحدا. في البداية كانت الكلمة لأنها كانت فعلا في ذاتها. فعلا صادقا يخلق التغيير. يعود ألكسندر إلى البيت. تجتمع العائلة. يأتي ساعي البريد ومعه هدية قيّمة. خارطة قديمة لأروبا. ينطلق الحوار حولها. هل هي أصليّة؟ يصرّ ساعي البريد. يعاينها ألكسندر الخبير بالقطع الفنّية. “هذه هديّة قيّمة، هذه تضحية كبيرة “. يجيب ساعي البريد: “كلّ هديّة هي تضحية بشكل من الأشكال”. تنتهي ماريا، الخادمة، من ترتيب المنزل وتطلب من سيّدتها إذن المغادرة. تسمح لها أديليد بالذهاب. يركّز المخرج على وجهها وكأنه يقول: ” كونوا حذرين. لهذه الشخصيّة شأن كبير. تمعّنوا في تفاصيل وجهها جيدا. سحنة رقيقة. صوت لطيف وحنون. عينان تنكسران أمام نسمة تعبر خلسة. لكن رغم هشاشتها سيكون لها شأن كبير”. تغادر ماريا فيما تستعد جوليا، الخادمة الثانية، لتقديم العشاء. عندها يعلن التلفزيون عن الكارثة. حرب عالمية جديدة. نزاع نووي في الأفق. يصاب الجميع بالذهول.

تدخل أديليد في نوبة هستيرية. يتدخّل فكتور حبيبها السّابق وطبيب العائلة وصديق زوجها المقرّب. يهدّئها باستعمال العقاقير. يقوم بعدها بحقن الجميع ما عدى ألكسندر وأوتو ساعي البريد اللّذان اكتفيا بشرب بعض الكؤوس والحديث عن معجزة يمكن أن تنقذ العالم.

غادر أوتو. أفاقت أديليد. تبدو أكثر تماسكا. تمالكت نفسها وطلبت من جوليا تحضير العشاء وإيقاظ الطفل. ترفض الخادمة. تتوسّل سيّدتها أن تتركه غاطا في نومه البريء. تحتدّ السيّدة. تبكي جوليا. هذه تضحية صادقة. تتأثر أديليد. تحتضنها وتقبّلها. في النهاية مازالت التضحيات الصّادقة تحرّك مشاعر البشر. لكن قليلون هم من يؤمنون بها.

قليلون هم المستعدّون لولوج التجربة. يتجمّع الجميع حول طاولة العشاء فيما يبقى ألكسندر وحيدا في غرفته يستمع إلى لحن آسيوي مقدّس. تجتاحه أفكار سوداء غامضة. يبحث في عتمة روحه عن مخرج. كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ لا يجد طريقا آخر سوى التوجّه إلى الله. استرسل في الصلاة. توسّل. طلب منه أن ينقذ العالم ووعده إن تحققت أمنيته أن يحرق منزله وأن يهجر النّاس جميعا وأن يتوقّف عن الكلام وأن يكرّس حياته للبحث في أعماق الذّات البشريّة.

أنهى صلاته متعبا ونام. حين استيقظ جاءه أوتو. دخل المنزل من الطابق العلوي عبر سلّم حتّى لا يثير انتباه الآخرين. أخبره بأن أمنيته يمكن أن تتحقق. ولكي يحصل هذا عليه أن يذهب إلى ماريا وأن يقنعها بأن تحبه لليلة. الخادمة البسيطة تملك قوى سحرية خارقة ستمكنه من تحقيق أمنيته إذا كان صادقا. غادر أوتو مرّة أخرى. تردد ألكسندر. حمل مسدسا كان فيكتور الطبيب يخبئه في حقيبته. فكر في أن يقتل ابنه. تضحية أخرى فيها إحالة دينية. تضحية النبيّ إبراهيم. لا يمكن لبراءة الطفل أن تواجه بشاعة هذا العالم. لكنه تراجع سريعا وقرر الانطلاق نحو ماريا.

لم تفهم ماريا سبب مجيء ألكسندر في البداية. أو ربّما فهمت لكنها فضّلت اختبار صدقه. دار حوار بين الشخصيتين. كان ألكسندر يبكي ويتوسل لها بأن تحبه وأن تهبه أمنيته. كان يتوسّل لها أن تنقذ البشر. أحبت ماريا ألكسندر. وأحب ألكسندر ماريا لأنها خلافا للآخرين فهمت هواجسه. لماريا رمزيّة كبرى. هي نقيض أديليد. نقيض الطبقة البرجوازية الأوروبية التي احتضنت تاركوفسكي بحفاوة حين جاء أوروبا ووهبته فخرها الاجتماعي. ماريا هي الشرق. الشرق الذي يقاسمه خوفه العميق من التطوّر المادّي. “تطوّر امبريقيّ خارج أي آفاق روحيّة”.

حين أفاق وجد نفسه على فراشه وكأن شيئا لم يكن. مرّت الكارثة. عاد كل شيء على ما كان عليه. نجى البشر ونجى ابنه وأحبّته. أحسّ لأول مرّة بأنه حر. أن تقرر التضحية، أن تخرج من دائرة الكلام إلى دائرة الفعل الصّادق، يعني أنك إنسان حر يمتلك زمام ذاته وله القدرة أن يهبها من أجل خلاص الآخرين. عندها قرر أن يفي بوعده. عليه أن يثبت لنفسه صدق تضحيته. عليه أن يستحق حرّيته. افتعل حادثا لتخرج العائلة من المنزل وقرر تنفيذ نذره. أحرق ألكسندر المنزل في مشهد الحريق الشهير الذي زادت في رهبته ألحان باخ الكنائسيّة التي يعشقها تاركوفسكي. نقل ألكسندر إلى مستشفى المجانين. وحدها ماريا حملت دراجة ساعي البريد ولحقت بالسيارة فيما كان ابنه يسقى الشجرة. ينتهي الفيلم على مشهد الطفل يستلقي تحت الشجرة ناظرا إلى السماء. يتكلم الطفل في نهاية المشهد لأول مرّة: “في البداية كانت الكلمة. لماذا يا أبي؟ “. السؤال الطفولي الذي يحيلنا على الشك الفطري والذي يرى تاركوفسكي أننا فقدناه مع تقدّم الحداثة.

يهدي تاركوفسكي الفيلم إلى ابنه العالق في الاتحاد السوفياتي. كان يعلم جيّدا أنه لا يعيش أفضل أيّامه. لذلك حاول قبل رحيله تمرير أعمق هواجسه للجيل القادم. مرر لهم هواجس الموت والغربة والأمل في غد أفضل رغم الحطام الرّوحي الذّي خلّفته الحداثة في نفوس البشر. لقد هرب تاركوفسكي من الاتحاد السوفييتي، بعد التضييقات التي عاشها، وهو يحلم بهذا الغد الأفضل. روسيا السوفياتيّة لم تهبه مكانا لتساؤلاته الوجوديّة ولشاعريّته السينماتوغرافية. واقعيّته السّحريّة لا مكان لها بين رحاب الواقعية الاشتراكية. كان يضن أنّه سيعبر إلى عالم يعترف بما وراء المادّي ويغوص في عمق الوجودي. لكنّه أخطأ. خسر صحبة زوجته وابنه وكلبه “داكوس”. وجد نفسه مرّة أخرى داخل القفص الصّلد. فقص الفولاذ البارد. هنّا أيضا، في أوروبا الغربيّة، يلتحم البشر بالطرقات والموسيقى بشخير الآلات وتسعى المختبرات لاكتساح النجوم. لكن من يفكّر فيما وراء النجوم؟ هنا كان صدامه مع واقعيّة أخرى. أقل عجرفة لكنها أكثر استفزازا لأنها بنيت على وهم الحرّية.

صفوان الطرابلسي

كاتب وباحث في علم الإجتماع وعضو مخبر التنوير والحداثة والتنوع الثقافي بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس ورئيس الجمعية الثقافية للإبداع والتفكير الإيجابي (ACCRO).

Partager cet article :
Facebook
Twitter
Google+
http://cinemattack.info/?p=993&lang=ar